ميرزا حسنعلي مرواريد
58
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
العمدة في باب معرفة اللّه تعالى ، وبها تمتاز المعارف الإلهيّة الحقّة عن غيرها ، وأمّا الأمر الذي أشرنا إليه في بعض التنبيهات السابقة - وهو مصنوعيّة العالم بما فيه ، واحتياج المصنوع إلى الصانع - فإنّه مما لا ينبغي خفاؤه على أحد من العقلاء . وقد أتمّ اللّه حجّته في ذلك بما مرّ ذكره من الآيات المباركة ونحوها ، كما قال اللّه تعالى في كتابه : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » . وكذا الرسول الأكرم والأئمّة المعصومون صلوات اللّه عليهم ، في ما روي عنهم . وطريق معرفة هذا الأمر : النظر الدقيق والتفكّر العميق في ذات المخلوق والمصنوع وسنخ حقيقته ، وفي معنى الشيئيّة بالغير والحقيقة بالغير ، وأنّ الشيء بالغير وإن كان شيئا منشأ للآثار ولكنّه ليس بشيء بحقيقة الشيئيّة ، بل هو محض الفقر والاحتياج في شيئيّته وثبوته وبقائه وتأثيره وتأثره إلى الغير . ثمّ التذكّر بأنّ كلّ ما يدرك حقيقته بإحاطة العقل والعلم ، وبالحواسّ الظاهرة والباطنة من الجواهر وما يعرضها من الأعراض والحركات بمعناها العام ، التي عرفت أنّها من سنخ المخلوق الواضح احتياجه إلى الخالق ، لو كان الخالق من سنخه وبأوصافه لجرى الحكم المذكور - أي الاحتياج إلى الخالق - فيه أيضا ، وهو خلاف حقيقته . فيحكم العقل أي يظهر به ، أنّ الذي ليس بمخلوق ليس من سنخ المخلوق ولا يشبهه ، ولا يجري فيه ما يجري فيه ، كما سيأتي مزيد بيان له إن شاء اللّه تعالى . وأمّا الآيات والروايات الواردة في أنّه تعالى خارج عن الحدّين فممّا لا يعدّ ولا يحصى . أمّا بنحو الإجمال فمنه التكبير الذي أمر اللّه تعالى به رسوله الأكرم بقوله : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ « 2 » . فصدع به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، على ما في رواية المناقب « 3 » ، رافعا به صوته مرّتين ، فجعله في مفتتح الأذان والإقامة ، وفي مختتمهما ،
--> ( 1 ) - إبراهيم 10 . ( 2 ) - المدثر 1 - 3 . ( 3 ) - البحار 18 : 197 ، عن المناقب .